حيدر حب الله

58

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

نعم ، هذا الكلام قد يتمّ لو توفّي العالم الرجالي ، ثم طُبعت كتبه ، فإنّ الشهادة هنا لم تقع إلا بعد الوفاة ، لو سلّمنا بأصل وقوعها ؛ لاحتمال أنّه لم يُرد النشر ؛ فيُنظر أمرها حينئذٍ . وعليه ، فهذا الإشكال غير وارد . 1 - 9 - تخلخل شرط الحسيّة في شهادة الرجاليّ وهو من الإشكالات الأساسيّة هنا ، وحاصله أنّه لا يرتاب أحد أنّ الشهادة لا بدّ أن تكون عن حسّ أو ما هو في قوّة الحس وقريب منه ، كأن يشهد بقتل زيد لعمرو ؛ لأنّه رآه يقتله فعلًا ، أو يشهد بعدالة صديقه الذي يلازمه ، ونعرّف العدالة بأنّها ملكة ، والمدرك هو ملاحظة ظواهر حاله التي تعطي انطباعاً بأنه عادل ، أو يُشهد بأنّه زنى ولكن يعلم ذلك من حالته ووضعه الذي ضبط عليه ولو لم يُرَ الدخول حسّاً ، بناءً على ما هو التحقيق ، من كفاية ذلك في الشهادة على الزنا ، وفاقاً لبعض الفقهاء « 1 » . لكن النظر في كتب الرجاليّين ووضعهم التاريخي يحول دون الحسيّة هذه ، فالطوسي توفي عام 460 ه - أمّا أصحاب الإمام الباقر فتوفّوا في القرن الثاني الهجري ، فأين هي الحسية أو القريبة من الحس ؟ وبهذا تنهار نظريّة حجيّة قول الرجالي من باب الشهادة . وهذا الإشكال سوف يتضح أمره بالتفصيل - بعون الله تعالى - عندما ندرس منهج علماء الرجال في الوصول إلى المعلومات التي أدلوا بها ، وهل قام على الحدس أو الحس ؟ فإنّ تحديد طبيعة المستندات والمناهج التي اعتمد عليها الرجاليّون له دور بالغ في تحديد مديات اعتبار قولهم ، فهناك قدرٌ كبير من الترابط بين الموضوعين ، وإن كانا موضوعين مختلفين ، فما قد يستوحى من بعض الكلمات من أنه لا ترابط بينهما « 2 » ، غيرُ واضح .

--> ( 1 ) انظر : حيدر حب الله ، دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 1 : 257 - 301 ؛ والخوئي ، مباني تكملة منهاج الصالحين 1 : 179 - 180 ؛ والتبريزي ، أسس الحدود والتعزيرات : 82 - 84 . ( 2 ) معين دقيق ، السوانح العاملية في تنقيح القواعد الرجالية ، الحلقة الأولى : 167 ، الهامش رقم : 1 .